تقارير ودراسات

كواليس اجتماع المكتب السياسي للإخوان بعد إعلانها اعتزال المنافسة على السلطة

الإخوان تبحث عن تحالف جديد عبر مشروع سياسي جديد

مقدمة

خلال لقاء إعلامي أجراه مع فضائية الشرق المقربة من الإخوان، تحدث حلمي الجزار، مسؤول المكتب السياسي بجماعة الإخوان ونائب رئيس الهيئة الإدارية العليا التي تقوم، مؤقتا، مقام مكتب الإرشاد في الوقت الحالي عن أن الجماعة آثرت الانسحاب من المنافسة على السلطة، وستركز في الفترة المقبلة على بناء شبكاتها المجتمعية وأيضًا شبكات الحماية الاجتماعية، حسب تعبيره.

ومع أن تصريحات الجزار، والتي جاءت تحت عنوان “رؤية الإخوان السياسية للمشهد الجاري في مصر”، أثارت خلافًا جديدًا داخل الجماعة ورفضتها جبهة إسطنبول/ محمود حسين التي أصدرت بيانًا اعتبرت فيه أن هذه الرؤية تعبر فقط عن رأي صاحبها، إلا أنها مثلت تعبيرًا صريحًا عن المشروع السياسي الذي تُغازل به جبهة لندن قوى إقليمية ودولية فضلًا عن الأحزاب والتيارات السياسية الموجودة في مصر.

وفي الحقيقة، لم تكن الرؤية السياسية التي تحدث عنها حلمي الجزار جديدةً تمامًا؛ إذ سبق أن ألمح لها القائم بأعمال مرشد الإخوان الراحل، أواخر عام 2020؛ أي قُبيل فترة وجيزة من تفجر الخلافات التنظيمية بين جبهتي لندن وإسطنبول، ووصفها بأنها “مشروع جديد للإسلام السياسي”.

وهدف مشروع الإسلام السياسي الجديد لإعادة طرح الجماعة سياسيًا وتقديمها في صورة أقل راديكالية، حيث يبدو أنها تقبل بالتوافقات السياسية مقابل السماح لها بالعودة للعمل داخل المجتمعات في بعض دول المنطقة العربية التي حظرتها، خلال السنوات الأخيرة.

وانطلاقًا من تلك الرؤية عكف اللجنة/ القسم السياسي لجماعة الإخوان بالتنسيق مع قسمي الخطة والتطوير على صياغة المشروع السياسي لها كي يتم طرحه، بيد أن الخلافات التنظيمية جاءت لتؤجل خروج المشروع للنور لفترة من الوقت، حتى تحدث عنه القائم بأعمال المرشد السابق إبراهيم منير قبل موته بوقت قصير، ثم أعاد حلمي الجزار مسؤول المكتب السياسي طرحه خلال لقائه الأخير في 20 سبتمبر/ أيلول المنصرم.

اجتماع للمكتب السياسي بعد حديث “الجزار”

في أعقاب اللقاء، عقد المكتب السياسي لجماعة الإخوان اجتماعًا، في مدينة إسطنبول التركية، ضم القائم بأعمال مرشد الإخوان- جبهة لندن صلاح عبد الحق، ومسؤول المكتب حلمي الجزار الذي طُلب منه خلال الاجتماع أن يُصفي أعماله في دولة أرض الصومال “صومالي لاند” ويستقر في تركيا في الفترة المقبلة، وعدد من أعضاء مجلس الشورى العام للجماعة منهم القيادي البارز محمد الفقي، والباحث المنتمي للجماعة عمار فايد.

وركز الاجتماع على تناول ردود الفعل التي وصلت للجبهة على اللقاء الإعلامي لحلمي الجزار، بجانب مناقشة الاستعدادات المقررة للانتخابات الرئاسية المقبلة، ومن ستدعمه الجماعة أو تقف في صفه خلال الانتخابات المرتقبة في مصر.

وبحسب المعلومات المتاحة عن الاجتماع، والتي أفادت بها مصادر متطابقة، فإن قيادات الجماعة وصفوا المرشح الرئاسي المحتمل “أحمد طنطاوي” بأنه المرشح الوحيد الجاد في مقابل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبحثت الجماعة عن إمكانية توجيه دعم غير مباشر له دون أن يكون هناك إعلان صريح منها عن هذا الدعم حتى لا يتم اتخاذه ذريعة للطعن في “طنطاوي”.

وعلى نفس الجهة، رأى قيادات الإخوان المجتمعين أن المرشح الرئاسي المحتمل أحمد طنطاوي قد لا يتمكن من جمع التوكيلات اللازمة، ومن ثم فإن إظهار دعمها له يعني أن الجماعة ستبين أنها عاجزة على الحشد، وأن حجم تأثيرها في المشهد ضعيف للغاية، كما أنها ما زالت على خصومة مع النظام السياسي في مصر، مما سيعني أن ما طرحه “الجزار” في لقائه لم يكن جادًا، وإنما مناورة سياسية.

وللأسباب السابقة، قررت جماعة الإخوان- جبهة لندن إرجاء اتخاذ أي خطوات لدعم أحمد طنطاوي حتى تنتهي مرحلة جمع التوكيلات اللازمة للترشح، ونبهت على أعضائها في تركيا، أن لا يقوموا بتحرير توكيلات له في السفارة المصرية، لكنها قررت دعمه بصورة غير مباشرة عن طريق التنسيق مع معارضين آخرين من المتحالفين مع الإخوان وتحديدًا عن طريق ما يعرف بـ”اتحاد القوى الوطنية”.

وتعمل الناشطة اليسارية، شروق أمجد كمنسق لحملة جمع التوكيلات للمرشح الرئاسي المحتمل أحمد طنطاوي، وبدأت التواصل مع عدد من غير المنتمين للجماعة لعمل توكيلات لدعمه، حتى يتمكن من استيفاء شروط الترشح واللحاق بالسباق الرئاسي.

ومن جهة أخرى، قرر الإخوان إطلاق حملة دعائية عبر القنوات والمواقع الإلكترونية المملوكة لها والمقربة منها وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لتأييد أحمد طنطاوي، على أن تنطلق الحملة من المرحلة الحالية (مرحلة جمع التوكيلات) وتستمر حتى إعلان النتيجة بعد انتهاء عملية التصويت والفرز.

وعلى الرغم من الدعم الذي قرر المكتب السياسي للإخوان توجيهه، بصورة غير مباشرة، لأحمد طنطاوي، فإن قيادات الإخوان- جبهة لندن توقعوا أن لا ينجح المرشح الرئاسي المحتمل في جمع التوكيلات المطلوبة لخوض الانتخابات، وكذلك أقروا بأنه لو نجح في جمع التوكيلات، فلن يتمكن من الفوز بالسباق الانتخابي؛ إذ إن جميع المؤشرات الحالية توحي أن الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي سيحسم الأمر ويفوز في الانتخابات الرئاسية.

وقرر المكتب السياسي للإخوان أن يُشارك في عملية الانتخابات المقررة في مصر، أواخر العام الجاري، وأن لا يقوم بالمقاطعة كما حدث في الانتخابات السابقة عام 2018، وفي الانتخابات التي سبقتها عام 2014.

تحالفات جديدة تتشكل بين الإخوان وقوى إقليمية

إلى ذلك، استعرض اجتماع المكتب السياسي للإخوان ردود الأفعال التي وصلت الجماعة حول طرح الرؤية السياسية الجديدة لها، وخصوصًا الرسائل التي وصلت الجماعة كبرى، سواء بشكل مباشر أو عن طريق وسطاء من قوى إقليمية ودولية ومن تيارات سياسية مصرية أبدت ارتياحها لتبدل الخطاب السياسي للجماعة.

ووعدت الأطراف التي تواصلت مع جماعة الإخوان بدراسة الموقف، بشكل جدي، لكنهم قرروا إرجاء أي نقاشات أو تواصل بهذا الشأن لما بعد الانتخابات الرئاسية في مصر.

وكان مسؤول المكتب السياسي للإخوان حلمي الجزار قد تحدث عن العلاقة بين الجماعة والمملكة العربية السعودية، خلال لقائه الإعلامي، واصفًا تلك العلاقة بأنها “تاريخية وطيبة”، كما ألمح إلى رغبتها في طي صفحة الخلافات مع المملكة ومع الدول العربية الأخرى، في الفترة المقبلة.

خاتمة

واستنادًا إلى ما سبق، يمكن القول إن جماعة الإخوان- جبهة لندن تسعى لتحقيق أي اختراق أو كسب أي زخم عن طريق طرح مشروع سياسي جديد يقوم على أساس اعتزال فكرة المنافسة على السلطة السياسية، وهي نفس الورقة التي لوح بها القائم بأعمال مرشد الإخوان الراحل إبراهيم منير، وجعلها ثمنًا لإطلاق سراح سجناء الجماعة في مصر.

لكن مسؤول المكتب السياسي لجماعة الإخوان حلمي الجزار قرر، في لقائه الأخير، القفز على مطلب إطلاق سراح السجناء، واكتفى بالتلميح لـ”مراجعة ملف المعتقلين” دون الإشارة لإطلاق سراحهم، ثم جاء اجتماع المكتب السياسي في أعقاب اللقاء ليبرهن على أن النهج البراجماتي للجماعة بقي على ما هو عليه، فمن ناحية تُغازل السلطة، ومن ناحية أخرى تذهب لدعم خصومها سرًا لإحراز أي مكسب سياسي في وقت فقدت فيه الفاعلية إلى حد كبير.

وتوحي التطورات التي استعرضها المكتب السياسي للإخوان، في اجتماعه الأخير، أن هناك فواعل وقوى دولية دخلت على الخط في ما يتعلق بالعلاقة مع جماعة الإخوان، وهذه الدول ليست من المعسكر التقليدي الداعم لها، بل من المعسكر الآخر الذي ربما ارتأى أن يتحالف مع الجماعة مؤقتًا لتحقيق أهداف سياسية تخدم مصالح الطرفين، وقد تكون خريطة التحالفات الجديدة مقدمة لإعادة تطبيع العلاقات بين الإخوان وأنظمة سياسية إقليمية وقفت موقف العداء للجماعة منذ وقت ليس بالقصير، وهو ما سيتضح بصورة أفضل في المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى